الشيخ محمد هادي معرفة
183
تلخيص التمهيد
أمّا مصحف المدينة ( الإمام ) فكان مرجعاً للجميع بصورة عامَّة ، حتّى إذا كان اختلاف بين مصاحف الأمصار فإنَّ الحجَّة هو المصحف الإمام بالمدينة ، فيجب أن يصحَّح عليه . وروي أنَّ عثمان بعث مع كلِّ مصحف قارئاً يقرئ الناس على قراءة ذلك المصحف . فبعث مع المصحف المكّي - مثلًا - عبد اللَّه بن السائب ، ومع المصحف الشامي المغيرة بن شهاب ، ومع المصحف الكوفي أبا عبد الرحمان السلمي ، ومع المصحف البصري عامر بن عبد القيس . . . وهكذا . وكان قارئ المدينة والمقرئ من قبل الخليفة هو زيد بن ثابت « 1 » . هذا ، وكانت شدَّة الاهتمام بهذه المصاحف والتحفّظ عليها من قِبَل السلطات وشدَّة حرص الناس على محافظتها ودراستها تستدعي بقاءها مع الخلود . غير أنَّ تطوّرات حصلت عليها فيما بعد : من تنقيط ، وتشكيل ، وتحزيب ، وأخيراً تغيير الخطّ من الكوفيّ البدائي الَّذي كتبت به المصاحف على عهد عثمان ، إلى الكوفيّ المعروف ، وبعده إلى خط النَّسخ العربي الجميل وخطوط أخرى تداولت فيما بعد كلُّ ذلك جعل من المصاحف العثمانية الأولى على مدرج النسيان ، فأمست مهجورة ولم يعد لها أثر في الوجود . هذا ، وذكر ياقوت الحموي ( توفّي سنة 626 ه ) أنَّ في جامع دمشق مصحف عثمان بن عفّان . قالوا : إنَّه خطَّه بيده « 2 » . وهذا المصحف رآه ابن فضل اللَّه العمري ( توفّي سنة 749 ه ) . قال : وإلى الجانب الأيسر من جامع دمشق المصحف العثماني بخطّ عثمان بن عفّان « 3 » . ولم يحفظ لعثمان أنَّه خطَّ مصحفاً بيده ، فلعلَّه مصحف الشام بقي لذلك العهد . وهذا المصحف يذكره ابن كثير ( توفّي سنة 774 ه ) من غير أن ينسبه إلى خطّ عثمان . قال وأمّا المصاحف العثمانية فأشهرها اليوم الَّذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقيّ المقصورة . وقد كان قديماً بمدينة طبريَّة ، ثمَّ نقل منها إلى دمشق في حدود سنة 518 ه وقد رأيته كتاباً ضخماً بخطّ حسن مبين قويّ ، بحبر محكم ، في رقّ أظنُّه من جلود الإبل « 4 » .
--> ( 1 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 396 - 397 . ( 2 ) معجم البلدان : ج 2 ص 469 . ( 3 ) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار : ج 1 ص 195 . ( 4 ) فضائل القرآن لابن كثير : ص 49 .